مؤسسة دائرة المعارف فقه الاسلامي

58

موسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت ( ع )

الأمر الثاني : أنّ رؤوس كلّ فرقة ونحلة قد اجتمعوا فرأوا أنّ مصلحة مللهم ونحلهم - حفظاً لرغد عيشهم وتسهيلًا لأمرهم - أن يرجع جاهل كلّ أمر إلى عالمه ، فوصل هذا من السلف إلى الخلف حتى دار بينهم أجيالًا وقروناً وصار من الأمور الارتكازية . لكنّه بمراحل عن الواقع بل مقطوع خلافه ؛ لأنّ تصادف القوانين البشرية من باب الاتّفاق بعيد ، بل ممتنع عادةً ، فالأمم الغابرة المتبدّد شملهم ، المتفرّق جمعهم ، المفقود عندهم عامل الارتباط والاجتماع ، كيف اجتمعوا ورأوا أنّ مصالح الأمم ذلك مع تفرّقهم في أصقاع مختلفة وأمكنة متباعدة ؟ ! الأمر الثالث : أن يكون ذلك لأجل إلغاء احتمال الخلاف والغلط في عمل أهل الصنايع والفنون وما يلقيه إليهم العلماء وأصحاب الآراء في المسائل النظرية . ووجه ذلك الإلغاء : هو ندرة المخالفة وقلّتها بحيث لا يعتني بها العقلاء ، بل يعملون به غافلين عن احتمال المخالفة بحيث لا يختلج في أذهانهم الريب والشكّ ، وإن أوجدنا عندهم وسائل التشكيك ربما ينقدح في قلوبهم ، فهو عندهم علم عرفي يوجب الطمأنينة ، وهذا - إلغاء احتمال الخلاف لندرة المخالفة للواقع - هو الأساس لأكثر السير الدارجة عندهم من العمل بالأمارات وأصل الصحّة وقاعدة اليد . وهذا الوجه أقرب الوجوه . ويرد عليه : أنّ دعوى إلغاء احتمال الخطأ فيما نحن فيه غريب جدّاً مع ما نشاهده ويشاهد العقلاء كثرة الاختلاف بين الفقهاء في المسائل الفرعية ، بل الاختلاف موجود في كتب فقيه واحد ، ومع ذلك كيف يمكن أن يكون هذا الإلغاء لأجل ندرة المخالفة للواقع ؟ اللّهمّ إلّاأن يقال : إنّ رجوع العقلاء إلى أصحاب الفتيا مبني على غفلتهم عن هذا المعنى وتخيّلهم أنّ فنّ الفقه كسائر الفنون يقل فيه الخطأ أو على وجود دليل شرعي وصل من السلف إلى الخلف ، وحينئذٍ يصير الرجوع أمراً تعبّدياً لا عقلائياً .